Post

بغداد تحت الحصار الإسمنتي: مدينةٌ تُقتلع أشجارها وتُزرع بالصبات

صوت من الظلصوت من الظلكاتب وصحفي
August 28, 2026 51 views

من الحدائق التي ابتلعتها المشاريع إلى الأرصفة المحاصرة بالكونكريت… تفقد العاصمة العراقية ما تبقّى من خضرتها، فيما تتحول إجراءات الأمن المؤقتة إلى ملامح دائمة لمدينة لم تعد تعرف سوى الرمادي.

إعداد: فريق SAWT 404

في ظهيرة بغدادية تتجاوز فيها الحرارة قدرة الإسفلت على الاحتمال، يبحث المارّة عن ظل شجرة فلا يجدون سوى ظل صبّة كونكريتية. الأشجار التي كانت تمتد على جانبي الطرق تقلصت، والحدائق التي كانت تتنفس بينها الأحياء إما أُهملت، أو جُرّفت، أو تحولت إلى مواقف للسيارات ومشاريع استثمارية.

لا تبدو بغداد اليوم مدينة بُنيت حول نهرين من الخضرة ودجلة في الوسط؛ بل كتلة إسمنتية ضخمة تتكاثر داخلها الجدران والحواجز أسرع من الأشجار.

في العاصمة، لا يُقاس تراجع الطبيعة بعدد الأشجار التي اختفت فقط، بل بمقدار الكونكريت الذي حلّ مكانها: صبات على الأرصفة، وصبات أمام المؤسسات، وأخرى تقطع الطرق أو تغلق المساحات العامة. وبين الضرورات الأمنية وحمى الاستثمار وسوء التخطيط، تحوّل ما كان إجراءً مؤقتاً إلى هوية بصرية دائمة لمدينة كاملة.

مدينة بلا ظل

حين ترتفع درجات الحرارة في بغداد، لا يواجه السكان المناخ وحده، بل نتائج عقود من القرارات العمرانية التي تعاملت مع الأشجار بوصفها زينة يمكن الاستغناء عنها، لا بنية تحتية ضرورية للحياة.

دراسة أكاديمية منشورة عن المساحات الخضراء في بغداد قدّرت أنها لا تشغل أكثر من 4% من مساحة المدينة، وأن نصيب الفرد منها لا يتجاوز 1.9 متر مربع. كما أشارت إلى أن مناطق كثيفة السكان، مثل مدينة الصدر والشعلة والشعب وحي أور، تعاني قلة المساحات الخضراء أو انعدامها تقريباً، باستثناء بعض الجزرات الوسطية وتشجير الأرصفة المحدود. الدراسة المنشورة في مجلة كلية التربية–الجامعة المستنصرية

لكن حتى هذا الرقم لا يكشف حجم المشكلة كاملاً؛ فوجود مساحة مسجلة بوصفها “خضراء” على المخطط لا يعني بالضرورة أنها حديقة صالحة للاستخدام. قد تكون أرضاً جرداء، أو متنزهاً مهملاً، أو شريطاً ضيقاً من العشب لا يوفر ظلاً ولا يغير شيئاً في حرارة الحي.

والأشد قسوة أن الخضرة القليلة ليست موزعة بعدالة. يحصل سكان بعض الأحياء الهادئة على حدائق منزلية وشوارع مشجرة، بينما يعيش ملايين آخرون وسط كثافة سكانية عالية، ومبانٍ متلاصقة، وأرصفة محتلة، من دون متنفس عام قريب.

هكذا يصبح الظل امتيازاً طبقياً: من يسكن في حي مرتفع الثمن يشتري بيتاً بحديقة، ومن يسكن الأحياء الفقيرة يشتري قارورة ماء ويقف خلف جدار.

في بغداد، لم تعد الشجرة جزءاً من حق المواطن في المدينة؛ أصبحت امتيازاً يرتبط بمكان السكن والقدرة المالية.

حين أصبح الكونكريت لغة المدينة

دخلت الصبات الكونكريتية إلى الحياة اليومية في بغداد تحت ضغط الانفلات الأمني والتفجيرات. كان الغرض منها حماية المؤسسات وتقليل خطر السيارات المفخخة وتنظيم حركة المرور. لكنها، مثل إجراءات مؤقتة كثيرة في العراق، بقيت بعد تبدل الظروف وتحولت إلى جزء من المشهد العام.

لا تكمن المشكلة في وجود حاجز أمني عند موقع يحتاج فعلاً إلى الحماية، بل في انتشار الكونكريت بلا رؤية موحدة: كتل متآكلة، وألوان باهتة، وقطع غير متناسقة، ومساحات عامة تحولت إلى ممرات ضيقة تشعر المواطن بأنه يعبر نقطة تفتيش دائمة.

الصبات لا تغلق الطريق فحسب؛ إنها تقطع صلة الأحياء ببعضها، وتحتل الأرصفة، وتدفع المشاة نحو الشارع، وتمنع استثمار مساحات كان يمكن تحويلها إلى ممرات مظللة أو حدائق صغيرة.

ومع الوقت، انتقلت عقلية التحصين من الملف الأمني إلى التخطيط الحضري نفسه. بدلاً من معالجة الفوضى المرورية بالنقل العام، تُضاف الحواجز. وبدلاً من تنظيم الوقوف، يُغلق الرصيف. وبدلاً من حماية المساحة العامة، تُحاط بالحديد والكونكريت.

تبدو بغداد، في أجزاء واسعة منها، وكأنها تستعد دائماً لحرب لم يُعلن عن انتهائها.

الإسمنت يأكل البساتين

خارج مركز العاصمة، تجري عملية أخرى أكثر خطورة: تجريف الأراضي الزراعية والبساتين وتحويلها إلى قطع سكنية ومجمعات ومخازن ومشاريع تجارية.

التحول لا يحدث دفعة واحدة. يبدأ غالباً بإهمال الأرض أو قطع الماء عنها، ثم تموت الأشجار تدريجياً، وبعد ذلك يصبح تغيير استعمالها أسهل تبريراً: ما دامت الأرض لم تعد منتجة، فلماذا لا تتحول إلى بناء؟

لكن السؤال الذي يسبق ذلك يُهمَل دائماً: من جعلها غير منتجة؟

أعلنت وزارة الزراعة في أوقات سابقة خسارة أكثر من 82 ألف دونم زراعي بسبب عمليات تجريف وصفت بأنها ممنهجة. وتشير تقديرات إلى أن عمليات التحول العمراني طالت مئات آلاف الدونمات الخصبة القريبة من مصادر المياه في عموم البلاد. وفي بغداد تحديداً، أصبحت البساتين الواقعة ضمن حزام العاصمة هدفاً سهلاً للتوسع السكني وارتفاع أسعار العقارات. تقرير شفق نيوز عن تجريف الأراضي الزراعية

تقول الجهات الرسمية إن تحويل جنس الأراضي الزراعية يحتاج إلى موافقات قانونية، وإن قرارات وتشريعات عدة تمنع تجريف البساتين. غير أن استمرار الظاهرة يكشف الفجوة التقليدية بين القانون العراقي والأرض العراقية: الأول يمنع، والثانية تُجرَّف.

أزمة سكن يدفع ثمنها الشجر

لا يمكن فصل التمدد الإسمنتي عن أزمة السكن. العراق يعاني عجزاً يُقدّر بأكثر من مليوني وحدة سكنية، وبغداد تضم قرابة ربع سكان البلاد. ومع ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات داخل العاصمة، تصبح الأراضي الزراعية في أطرافها الخيار الأرخص لكثير من العائلات.

هذه الحاجة حقيقية، لكن استخدامها لتبرير تجريف البساتين يخفي فشلاً أوسع في التخطيط. فالدولة التي لم توفر مدناً جديدة مخدومة، ولا نقلاً عاماً يربط الأطراف بالمركز، تركت المواطن يبحث عن حل فردي. والنتيجة أن الفقير يبني بيتاً بلا خدمات، وصاحب الأرض يخسر بستانه، والمدينة تخسر حزامها الأخضر، بينما يربح المضاربون وسماسرة العقارات.

ليست المعادلة، إذاً، “شجرة أم بيت؟”. المعادلة الحقيقية هي: لماذا عجزت الحكومات المتعاقبة عن توفير البيت من دون قتل الشجرة؟

التوسع العمودي المنظم، وبناء أحياء جديدة على الأراضي غير الزراعية، وربطها بشبكات نقل وخدمات، يمكن أن يقلل الضغط عن البساتين. أما توزيع القطع بلا بنى تحتية أو السماح بالتوسع العشوائي، فلا يحل أزمة السكن؛ بل ينقلها إلى مساحة أكبر.

حرارة يصنعها القرار

الكونكريت يمتص الحرارة خلال النهار ثم يعيد إطلاقها ليلاً. ومع تراجع الأشجار والمساحات المائية، تتكون داخل المدن ما يعرف بـ“الجزر الحرارية”، إذ تصبح المناطق المبنية أكثر سخونة من محيطها.

دراسة عن بغداد خلصت إلى أن زيادة التشجير والتظليل واستخدام مواد أقل امتصاصاً للحرارة يمكن أن تحسن الظروف الحرارية داخل المدينة. كما تؤكد الأبحاث العلمية عموماً أن الحدائق والأشجار تقلل أثر الجزر الحرارية وتوفر راحة حرارية للسكان. دراسة استراتيجيات خفض الجزيرة الحرارية في بغداد

لكن بغداد تتجه في كثير من مناطقها إلى الاتجاه المعاكس: أشجار أقل، مبانٍ أكثر، سيارات أكثر، وأسطح إسمنتية تمتد بلا انقطاع.

والنتيجة ليست مجرد شعور مزعج بالحرارة. ارتفاعها يعني استهلاكاً أكبر للكهرباء، وضغطاً إضافياً على الشبكة، وتكاليف أعلى على العائلات، ومخاطر صحية أشد على العمال وكبار السن والأطفال.

بذلك، لا تكون إزالة شجرة قراراً تجميلياً صغيراً. إنها قرار صحي واقتصادي وبيئي يدفع ثمنه الجميع.

خضرة للافتتاحات

تعلن أمانة بغداد بين حين وآخر حملات تشجير وتأهيل حدائق وجزرات وسطية. وهذه المشاريع ضرورية، لكنها تثير سؤالاً عن الفرق بين التشجير بوصفه سياسة مستدامة، والتشجير بوصفه صورة للافتتاح.

زراعة آلاف الشتلات لا تكفي إذا لم تُعلن مواقعها وأنواعها ونسب بقائها بعد الصيف الأول. فالرقم الحقيقي ليس عدد الأشجار المزروعة، بل عدد الأشجار التي بقيت حية بعد عامين أو خمسة أعوام.

كما أن تزيين طريق رئيس أو مدخل رسمي لا يعوض طفلاً يعيش في حي لا توجد فيه حديقة. المطلوب ليس أحزمة تجميلية يراها المسؤول من نافذة سيارته، بل شبكة خضراء يستطيع السكان الوصول إليها سيراً على الأقدام.

التشجير الحقيقي يحتاج إلى ماء وصيانة ومساءلة وحماية قانونية للأرض. أما وضع شتلات صغيرة بين مسارات السيارات، ثم تركها تموت، فليس سياسة بيئية؛ إنه ديكور مؤقت.

بلادٌ قاحلة وعاصمةٌ تقتلع رئتها

وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تُعدّ 90% من أراضي العراق قاحلة أو شبه قاحلة. وفي بلد يواجه الجفاف وشح المياه والعواصف الغبارية، يفترض أن تكون حماية كل شجرة مسألة أمن وطني، لا نشاطاً موسمياً. برنامج الأمم المتحدة للبيئة

لكن العاصمة تتعامل مع الخضرة كما لو أنها ترف يمكن تعويضه بنخلة بلاستيكية أو حوض صغير عند مدخل مؤسسة. تُقتلع الأشجار المعمرة لأنها تعيق توسعة شارع، بينما لا يُسأل إن كانت آلاف السيارات الجديدة هي التي تعيق المدينة كلها.

وتُزال الحدائق لإنشاء مشاريع تدر المال، لأن قيمة الأرض في حسابات الاستثمار تُقاس بما يُبنى فوقها، لا بما تمنحه للناس من هواء وظل ومساحة مشتركة.

هنا تكمن المشكلة الأعمق: بغداد لم تفقد أشجارها بسبب المناخ وحده، بل بسبب منظومة ترى الأرض الفارغة فرصة للبناء، والحديقة أرضاً غير مستثمرة، والرصيف مساحة قابلة للاستحواذ.

من يملك بغداد؟

الحديقة العامة ليست منّة من البلدية، والرصيف ليس ملكاً للمؤسسة المجاورة، وظل الشجرة ليس خدمة ترفيهية. هذه كلها أجزاء من حق السكان في المدينة.

إنقاذ بغداد لا يبدأ بحملة أسبوعية لزراعة الشتلات، بل بوقف تجريف البساتين، ونشر سجل علني لتغييرات استعمال الأراضي، وإزالة الصبات التي انتفت ضرورتها الأمنية، وإعادة الأرصفة إلى المشاة، وفرض نسبة خضراء ملزمة على المشروعات الجديدة.

ويحتاج أيضاً إلى جرد مستقل للأشجار والمساحات الخضراء، مع نشر بيانات سنوية توضّح ما أُزيل وما زُرع وما بقي حياً، وتوزيع الحدائق وفق الكثافة السكانية لا وفق أهمية الشوارع الرسمية.

أما الاستمرار بالنهج الحالي، فيعني أن بغداد ستصبح أكثر اتساعاً وأقل قابلية للحياة: مدينة تملك جسوراً وطرقاً ومجمعات، لكنها لا تملك مكاناً يستطيع فيه مواطن أن يجلس تحت شجرة.

بغداد لا ينقصها مشروع كونكريتي جديد. ما ينقصها هو أن تتوقف السلطة، ولو للحظة، عن النظر إلى المدينة من خلف الزجاج المظلل، وأن تمشي في شوارعها ظهراً، حيث لا ظل إلا لجدار، ولا مقعد إلا صبّة، ولا لون يواجه الرماد.

واتساب